حكاية هذا الشاب تبرهن بما لا يدع مجالا للشك بأن التونسي عندما تتعلق همته بأمر فإن الصعاب والعوائق مهما كبر حجمها لا يمكنها ان تعيق طريقه، بل كل ما تستطيع فعله في احسن الاحوال، هو شحذ همته وزيادة اصراره على بلوغ مرامه.
فهذا الشاب انجز امرا لو تم في ظروف عادية لكان ذلك كافيا للاعلاء من شأنه، فما بالك لما يتم هذا الامر في ظروف غير عادية بالمرة. والشاب الذي نتحدث عنه هو احد سجناء سجن الناظور ببنزرت شارك في امتحانات المرحلة الثانية من الباكالوريا الفرنسية لسنة 2008 ونجح في اجتيازها بمعدل 16.95 وبملاحظة «حسن جدا». وهذا المعدل لم يتحصل عليه اي تونسي في هذا الامتحان منذ عدة سنوات.
وكان هذا السجين قد شارك في امتحانات المرحلة الاولى للباكالوريا الفرنسية السنة الماضية بعد ان قامت الادارة العامة للسجون والاصلاح بوزارة العدل وحقوق الانسان بكل الاجراءات اللازمة لتسجيله لدى مصالح القنصلية العامة الفرنسية بتونس. وقد تمكن من اجتياز هذه المرحلة بنجاح.
وأمام هذا النجاح لم تر القنصلية العامة الفرنسية بدا من إعطاء الضوء الاخضر لهذا الشاب ليتمكن من اجتياز المرحلة الثانية من هذا الامتحان.
وسعيا منها لتوفير افضل الظروف الممكنة لهذا السجين قامت الادارة العامة للسجون والاصلاح بالترخيص له في متابعة دروسه من داخل السجن والمشاركة في الامتحانات.
ولم ينته دور الادارة العامة للسجون والاصلاح عند هذا الحد بل قامت ايضا باتخاذ جملة من الاجراءات من شأنها تسهيل عملية المراجعة والاستعداد للامتحان ومن ذلك الترخيص لهذا السجين بإدخال المراجع العلمية والوثائق والمعينات البيداغوجية. كما تم تخصيص فضاء له بمكتبة السجن للدراسة وانجاز الامتحانات الدورية، اضافة الى تمكينه من مكتب وجهاز حاسوب لاستغلاله في انجاز التمارين التطبيقية.
وسعت إدارة السجن بالتنسيق مع القنصلية الفرنسية لتمكين السجين من الدروس ومواضيع الاختبارات الدورية النظرية منها والتطبيقية. وبعد انجازها من طرفه تولت إدارة السجن ارجاعها في الآجال المحددة وارسالها الى فرنسا ليتم اصلاحها هناك.
ومع اقتراب موعد الامتحان وضعت إدارة السجن على ذمة هذا الشاب فريقا متكونا من إطار مختص في الرياضيات و3 مساجين لهم مستوى جامعي مختصين في الأنقليزية والاقتصاد والتصرف والاعلامية هذا الى جانب التأطير النفسي الذي كان حاضرا في كل المراحل. كما قررت الادارة نقله الى سجن المرناقية صحبة جميع وثائقه ومعيناته البيداغوجية لتقريبه من مركز الامتحانات بمعهد «غوستاف فلوبار» بالمرسى. وكل هذه الظروف المساعدة على النجاح والتي لا يمكن لعديد العائلات التونسية توفيرها لأبنائها كانت خير حافز لهذا السجين لمواصلة دراسته والمشاركة في الامتحانات بروح معنوية عالية، دون ان ننسى بالطبع عزيمته الفولاذية واصراره الذي لا يلين.
* أحمد الوسلات
anwar
22/07/2008

